مدخل الدراسة
الإنسان بين أفق الحضارة ومكر التاريخ
***
بيّنا في كتابنا الموسوم: الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي بأن الحضارة في العالم الإسلامي تتعلق أساسا بالإنسان أكثر من عنصري الوقت والتراب، ذلك أن التراب والوقت يرتبطان من حيث الوعي والحضور الفعال بالإنسان، وبالتالي يصبح المشكل الحقيقي في الحضارة هو الإنسان بالدرجة الأولى.
وفي الكتاب الموالي، سنحاول قدر الإمكان، تحليل ظاهرة التَّحول الحضاري وأفول مسيرة الإنسان الشاهد، وفق فكر مالك بن نبي أولا ثم من خلال الفكر النقدي ثانيا، كما أنه لا بد أن نحدد أيضا الأبعاد الأساسية لمشكل الحضارة بغية وضع مشكلة الإنسان في حقولها المعرفية وأطرها الحضارية، عندئذ يمكن القول أن النقد الحضاري يتجه نحو غاياته الكبرى فقط عندما يعي الإنسان وضعه الحضاري في لعبة عالم الكبار.
إن إشكالية الإنسان في الفكر البنابي تتخذ صورة عميقة وخطيرة، وتلك المسألة فرضت عليه عدم اللجوء إلى منهج التجزئة أو الذرية المعتادة من منطلق فهمه لمشكلات الحضارة، بل حاول أن يتجاوز - كما نرى- هفوات مفكري النهضة في معالجة مشكلة الحضارة عموما.
ومن نَحو الحضارة نعتقد اعتقادا جازما أن الإنسان علة ومقياس كل الأشياء من باب الممكن والفعل، بغض النظر عن الحتميات الطبيعية والغيبية. ولست أريد من ذلك الرجوع إلى القول السفسطائي المُمَجد للإنسان، بل التركيز على أن قولهم لم يكن مخالفا للصواب ولو وضع في باب الممكن والنسبي. فكل ما هو قوام الموجود في الوجود يفتح إمكانية الممكن والمحتمل، وكل ما هو ممكن يرتبط بالفعل والقدرة، أو كما قال فيلسوف قرطبة ابن رشد بالاستطاعة.
والمسلم كنموذج للإنسان العالمي من خلال أفق الغَدية [ نقصد بها الغدDemain ] المرتبطة بالنظرية السلفية استطاع في الماضي أن يُحرك ويتحرك نتيجة وعيه لحقيقة التدافع الحضاري ومبدأ الاستخلاف الإلهي، فاقتحم باب الممكن من خلال حركة الفتح العالمي واستند على الفعل [ التقوى ] كمعيار التفوق.
إن ما نلاحظه اليوم من أفول وانحطاط لحضارة الإسلام بعد عالميتها الأولى، هو مظهر من مظاهر سنن التداول الكوني، وهذه الأخيرة تفرض العودة المُتقدمة نحو أفق الحضارة المرتقبة، إنها تشبه دورة القمر تماما، فالحضارة تبدأ أول ما تبدأ كالهلال في يومه الأول، ثم تكبر حتى تصير بدرا مكتملا، لكن بعد الاكتمال تأتي مرحلة الأفول والعتمة. وإذا كانت دورة القمر تتحكم فيها سنن كونية بحتة فإن دورة الحضارة مرتبطة أشد الارتباط بالمحرك الذي يتحرك، الذي هو الإنسان، الخليفة في الأرض والموعود بالخلود في الجنة. وليس هذا التشبيه قياسا على ما قدمه أرسطو حول الصانع الذي وصفه بالمحرك الذي لا يتحرك، بل الغرض منه تحرير الإنسان من الحتميات المُحركة لمسيرته.
ومما سلف يبقى الإنسان عند الفلاسفة والعلماء حجر الزاوية في الوجود كله، فلا حضارة بدون بنائه، ولا فلسفة بدون مركزيته، ولا تكنولوجيا بدون إنجازاته.
وعلى هذا الأساس، استحق الإنسان الاستخلاف في الأرض، والأمانة المذكورة في القرآن[1] لم تكن أمانة العبادة فحسب بل كانت أمانة الفكر والتدبير، الحضارة والعمارة.. لأن المُخاطب هو الإنسان المُستخلف في الأرض، واللفظ في الآية الكريمة يفيد العموم لا الخصوص.
وإذا كنا اليوم نقر بتراجع المسلم عن الخط الإستخلافي الذي خُلق من أجله أصلا ( الشهادة الحضارية )، فإنه يتحتم علينا اليوم وغدا أن نعود إلى ذاته دراسة وتحليلا من أجل معرفة إمكانية البعث والإحياء، والتمهيد للعالمية الإسلامية في دورتها الثانية أو الخاتمية المنشودة لأمة الرحمان، لأن القاعدة الأكيدة في معادلة الحضارة هي كل أفول للحضارة يعني بالضرورة أن أفول الإنسان كان السابق عنها، وبالتالي فإن البناء الحضاري يستوجب الرجوع إليه أولا لكونه الرأسمال الحقيقي والرمزي لكل أمة تحمل أبعاد الوجود.
ولا بد أن نعترف منذ البداية أن الدراسة ليست قراءة تفسيرية لفكر مالك بن نبي بل هي دراسة نقدية لمرجعياته الفكرية ولنظرياته المتنوعة، التي تخص على العموم موضوع الإنسان والحضارة، وبالتالي فالموضوع المقترح اخترنا أن يكون حول الحضارة ومكر التاريخ لما للموضوع من علاقة وطيدة بفلسفة التاريخ.
إن أزمة الإنسان العربي المعاصر، ينبغي أن تعطي لها الأولوية التامة والهامة، من خلال وضع الأعمال الفكرية بمنأى عن الإيديولوجية الظرفية الحانقة والمترعة بالشك والحقد، والذرية الفكرية القاتلة التي لم تزد الأزمة إلا اتساعا والانحطاط إلا ترسخا. فنحن لا نريد أن يُدرس الإنسان مفككا ضمن حركة الحضارة ومكر التاريخ، بل ينبغي أن تكون الدراسة شاملة لكل مناحي الحياة والوجود. فلقد بات واضحا أن طريقة التجزئة لا تنفع في تحقيق العالمية الإسلامية الثانية من الأندلس إلى أندونسيا، بل هي تفيد التاريخ في تجسيد مكره وبقاء عصر دويلات الأعراب على حالها منذ عهد التشرذم الأول.
وتكمن المفارقة في الفكر العربي المعاصر على الخصوص والإسلامي على العموم عندما يعمد البعض إلى دراسة العقل فقط، والبعض الآخر القلب والإيمان، وطرف ثالث اليد والإنتاج.. فهذا يعني أن العقل لا يزال تحت نير المكر والوهم، لأن العقل المتحرر من مكر التاريخ هو الذي يلج ويلح على ضرورة دراسة الإنسان كوحدة متكاملة، وكذات شاعرة بوجودها في أبعاد التاريخ الثلاثة.
إن الفكر الغربي أصبح سيد التاريخ والحضارة عندما استطاع أن يمكر فوق مكر التاريخ، لكنه حين جعل الإنسان مجرد رمز أو شفرة في عقل إلكتروني مُجَرَد من كل الصفات الإنسانية، بل هو آلة مزدانة بالشعور كما يرى العالم هوكسلي. عندئذ أصبح الفكر الأوروبي المعاصر ينزاح نحو مكر التاريخ، و يصحو على استشرافات أزفولد شبينغلر في كتابه أفول الحضارة الغربية سنة 1924 أو رجاء غارودي في كتابه البنيوية موت الإنسان.
إن أبرز ما نخلص إليه كبديهة هي أن الإنسان الشاهد يعتبر كنموذج مستقبلي في عالم قتل الإنسان وجرده من كل ما يحمل من إنسانية وأبعاد، وبالتالي فالشاهد حتما سيتحرر من مكر التاريخ في لحظة وعيه لتحديات الوجود، وسيكون معلما فكريا يمكن على ضوء النظرية البنابية أن يتجسد تاريخيا، وأن يجد لنفسه موضعا أساسيا ورياديا في حضارة العالم القادمة.
كما نلاحظ وجود نزعة إنسانية مفتوحة لا مغلقة، لا يحدها خط طول وعرض ولا يأسرها مذهب أودين، بل نزعة إنسانية عالمية منبثقة من المبدأ القرآني الشامل.
ولعل أبرز سمة في الفكر البنابي مطابقة التاريخ لحركة الإنسان، فالإنسان لا يتعالى على التاريخ، بل ينسجم معه وفيه، وتتحد روحه به إتحادا وظيفيا. والإتحاد ليس من منظور الفلسفة الجبرية، بل الإتحاد يكون من منظور فلسفة التاريخ الحركية، التي لا تلغي حرية الإنسان وقوته في تحريك الحدث التاريخي.
إن الفكر البنابي لا بد أن يدرس بمعزل عن الذهنيات والصراعات الوهمية، والغاية تأسيس فكر جزائري أصيل مرتبط بذاكرته التراثية ارتباطا شعوريا ووظيفيا، ومع حاضره فكرا وعملا، ومع مستقبله استشرافا واستعدادا، ومع العالم العربي حرقة وتلاحما، والعالم الإسلامي وعيا وتقدما.
ولا بد في عملية الولوج الحضاري الجديد أن نصحح المفاهيم عن الفكر والعقل، عن الدين والفلسفة، وعن الهوية التاريخية، لأن أزمتنا الحقيقية أزمة مفاهيم وفعل. إن نقد العقل غير كاف لتجديد الإنسان، بل نحتاج في الوقت نفسه إلى نقد الفعل.
كما أن مشاكل العالم العربي والإسلامي لا تحل بالفكر المستورد فقط، وإنما تحل بالفكر المحلي الذي ينسجم مع روح الأمة، ويتطابق والتاريخ الحي للإنسان الشاهد.
إن الفكر بصورة عامة، هو إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، سواء بالنظر العقلي (REFLEXION )، أو التأمل (Méditation ). والفكر كما قال بن سينا: " وأعني بالفكر ها هنا ما يكون عند إجماع الإنسان، أن ينتقل عن أمور حاضرة في ذهنه متصورة أومصدق بها تصديقا علميا أو ظنيا أو وضعيا وتسليما على أمور غير حاضرة فيه."
والفكر من خلال النظرة السناوية يعبر بكل وضوح عن انتقال الذات العارفة مما هو حاضر إلى ما هو ليس بحاضر، وعليه ينبغي على الفكر الإسلامي المعاصر أن يُفكر في المفتقد والغائب، وأن يُطور المستهلك والراهن لعدم نجاعته في كثير
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ